الصفحة الرئيسة ] مهارات إدارية ] قواعد دعوية ] منبر الدعوة ] المخيمات الدعوية ] النشاط الطلابي ] شخصيات دعوية ] مراكز الأحياء ] مكتبة الدعوة ] أفكار دعوية ] أمراض دعوية ] المراكز الصيفية ] فتاوى الدعوة ]


ذوق الداعية
جمال سلطان

الدعوة إلى الله ليست في الحقيقة عملاً عـلمياً بحتاً، بقدر ما هي عمل احتماعي، يتخاطب فيه الداعية مع أصناف من البشر، ومستويات من المدارك والأفهام، إضافة إلى شبكة كاملة من العلاقات الاجتماعية لها حساسيــاتها تجـاه الكـلام والخطاب والألفاظ، وهذا كله مما يوجب على الداعية المسلم الاحتفاظ بقدر عال من الـذكـاء والحضـور الذهـني، وقبـل ذلك وبعده إلى قدر عال من الذوق والأدب ورهافة الحس، بالنظـر إلى كونـه يمثل تجسيداً فردياً للوجود الإسلامي في المجتمع.

أقول هذا الكلام، المحـرج لبعضهم، بمناسبـة تكرار صدور تعبيـرات وكـلمـات وألفـاظ مـن بعض الدعاة، في دروسهم أو أشرطتهم أو على منابرهم هي بالتأكيد مما يأباه الذوق، وينفر منه السمع، ويصدم المستـمـع بطلقات ثقيلة من القبـح والذمـامـة والأذى، وصحيح أن هذا كله لا يصدر عن كبار الدعاة ورموز الدعوة المتميزين، وإنما يصدر عادة عن شباب الدعاة، والمبتدئين في هذا المجال، ولكن ذلك لا يمنعنا مــن الإشارة إليـه والتحـذير منـه، لشيوعه وأسراف هؤلاء النفر في استعماله.

خذ مثلاً لذلك الحديث عن تميز المسلمين، وشموليـة ديـن الإسـلام لـكل سلوكيات المسلم، وهناك نصوص كثيرة تغني في هذا الشأن، إلا أن بـعـض الـدعــاة لا يتخيــر أو لا يجـذب حاسته سوى قول مشرك أو يهودي بذيء، مـوجهاً حديثه إلى أحد الصحــابة: إنـي أرى صاحبكم يعلمكم كل شـيء حتى يعلمكم الخراءة.

يا أخي هذا قول يهودي ثائر حاقد، وبذيء، وقد سجل أهل العلم قولته مــن بــاب أمانة النقل، أما أن تصبح بذاءة اليهــودي، والـخـراء، وحـديـث الخـراءة والمستـفــاد من قصـة الخراء، هي حديث المنابر وأشرطة التسجيل، فهذا أبداً لا يـكـون مـن الذوق ولا من ذكـاء الدعوة ولا من أدب الداعية، ولا من رهافة الإحساس.

إن نزعة تسقط الغرائب والفرائد في الخطاب الدعوي، هي ولا شك فعل المبتـدئين، وقليلي العلم والخبرة معاً، ولكننا على كل حال لابد أن ننبه كل من تصدى إلى الـدعوة، إلى شـرط جوهري وبسيط، وهو أن يمتلك الذوق والأدب الرفـيع والرهافة، وأن يحـدث الـنـاس بـمـا يعرفون ويحتملون، لا أن يتلمس لهم من الفـرائـد والـنوادر ما يجرح مشـاعرهــم أو يصـدم خواطرهم، بل عليه أن يسمو بهم في خطابه.

والله المستعان

مجلة البيان / عدد78